الشيخ محمد رشيد رضا

82

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وحال البيوت التي تتكون منها الأمة ، ثم إنه تعالى بعد بيان تلك الأحكام الخصوصية ، أراد ان ينبهنا إلى بعض الحقوق العمومية ، وهي العناية بكل من يستحق العناية وحسن المعاملة من الناس ، فبدأ ذلك بالامر بعبادته تعالى ، وعبادته ملاك حفظ الاحكام والعمل بها وهي الخضوع له تعالى وتمكين هيبته وخشيته من النفس ، والخشوع لسلطانه في السر والجهر ، فمتى كان الانسان على هذا فإنه يقيم هذه الأحكام وغيرها حتى تصلح جميع أعماله ولذلك كانت النية عندنا تجعل الاعمال العادية عبادات كالزارع يزرع ليقيم أمر بيته ويعول من يمونه ويفيض من فضل كسبه على الفقراء والمساكين ويساعد على الاعمال ذات المنافع العامة فعمله بهذه النية يجعل حرثه من أفضل العبادات فليست العبادة في قوله هنا وَاعْبُدُوا اللَّهَ خاصة بالتوحيد كما قال المفسر ( الجلال ) بل هي عامة كما قلنا تشمل التوحيد وجميع ما يمده من الاعمال وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً من الأشياء أو شيئا من الاشراك ( قال ) اختلف تعبيرهم والمعنى واحد ، والاشراك باللّه يستلزم الايمان به والنهي عنه يستلزم النهي عن التعطيل بالأولى . أقول يعني ان الشرك هو الخضوع لسلطة غيبية وراء الأسباب والسنن المعروفة في الخلق بان يرجى صاحبها ويخشى منه ما تعجز المخلوقات عن مثله ، وهذه السلطة لا تكون لغيره تعالى فلا يرجى غيره ولا يخشى سواه في أمر من الأمور التي هي وراء الأسباب المقدورة للمخلوقين عادة لان هذا خاص به تعالى فمن اعتقد أن غيره يشركه فيه كان مؤمنا مشركا ( 12 : 106 وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) وأما التعطيل فهو إنكار الألوهية البتة أي إنكار تلك السلطة الغيبية التي هي مبدأ كل قوة وتصرف وفوق كل قوة وتصرف ، فإذا نهى تعالى ان يشرك به غيره فيما استأثر به من السلطة والقدرة والتصرف ولم يجعله من الهبات التي منحها خلقه وعرفت عن سنته فيهم فلأن ينهى عن إنكار وجوده وجحد ألوهيته يكون أولى - ( قال ) والاشراك قد ذكر في القرآن بعض ضروبه عند مشركي العرب وهو عبادة الأصنام باتخاذهم أولياء وشفعاء ووسطاء عند اللّه تعالى يقربون المتوسل بهم اليه ويقضون الحاجات عنده كما هو المعهود من معنى الولاية والشفاعة عندهم والآيات